الذكاء الاصطناعي السيادي في الأردن: من الفكرة إلى التطبيق
في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية متقدمة، بل أصبح عنصرا مؤثرا في الاقتصاد والتعليم والإدارة العامة والخدمات، وحتى في قدرة الدول على حماية مصالحها وصياغة مستقبلها. ومن هنا، فإن السؤال الذي يواجه الأردن اليوم لا يقتصر على استخدام الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى كيفية استخدامه: هل نكتفي باستهلاك ما ينتجه الآخرون، أم نعمل على بناء مسار وطني يضمن أن تخدم هذه التقنية أولوياتنا وقيمنا واحتياجاتنا؟
جدول المحتويات
ما المقصود بالذكاء الاصطناعي السيادي؟

الذكاء الاصطناعي السيادي هو قدرة الدولة أو المؤسسة على تطوير حلول الذكاء الاصطناعي واستخدامها وتشغيلها وحوكمتها بما ينسجم مع قوانينها وقيمها وأولوياتها، وبالاستناد إلى بياناتها وبنيتها التحتية وكفاءاتها البشرية، بقدر معقول من الاستقلال والقدرة على التحكم.
ولا يعني ذلك الانغلاق أو الابتعاد عن العالم، بل يعني أن يكون للدولة دور فعلي في اختيار ما يناسبها، وتحديد أين تستخدم هذه التقنيات، وكيف تدار، وما الضوابط التشريعية والأخلاقية والمؤسسية التي تحكمها.
ومن المهم هنا التمييز بين سيادة البيانات والذكاء الاصطناعي السيادي. فالمسألة لا تتعلق فقط بمكان تخزين البيانات، بل تمتد أيضا إلى النماذج المستخدمة، وآليات تشغيلها، والجهات التي تتحكم بها، والقدرة على فهم مخرجاتها وتدقيقها وتحديد حدود استخدامها.
لماذا يهم هذا الموضوع الأردن؟

لأن الأردن ليس خارج التحول الرقمي العالمي، بل جزء منه. كما أن لديه عناصر يمكن البناء عليها: كفاءات بشرية متميزة، وجامعات ومؤسسات أكاديمية فاعلة، وقطاعا تقنيا نشطا، وتجربة متقدمة نسبيا في الرقمنة والخدمات الحكومية. وهذه ليست تفاصيل هامشية، بل مرتكزات حقيقية يمكن الانطلاق منها لتطوير حضور أردني أكثر فاعلية في مجال الذكاء الاصطناعي.
والأردن لا يبدأ في هذا المجال من نقطة الصفر. فقد وضعت الاستراتيجية الأردنية للذكاء الاصطناعي 2023–2027 إطارا وطنيا يشمل بناء القدرات، والبحث والتطوير، والاستثمار والريادة، والبيئة التشريعية والتنظيمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاعات ذات أولوية. كما يتقاطع ذلك مع مسار أوسع للتحول الرقمي تعكسه استراتيجية التحول الرقمي الأردنية وخطتها التنفيذية 2026–2028.
وفي خطوة عملية حديثة في هذا الاتجاه، بدأت مدينة العقبة الرقمية استضافة وتشغيل منصة Klstrai، الأولى من نوعها في المملكة لتوفير قدرات حوسبة الذكاء الاصطناعي من داخل الأردن، بما يتيح تطوير التطبيقات ومعالجة البيانات محليا، ويعزز التحكم بها ويقلل الاعتماد على البنية التحتية الحاسوبية خارج المملكة.
وتدعم المؤشرات الدولية وجود قاعدة يمكن البناء عليها، فقد سجل الأردن 56.07 نقطة في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025 الصادر عن Oxford Insights، وجاء في المرتبة 63 عالمياً. وهذه المؤشرات لا تعني أن الطريق قد اكتمل، لكنها تشير إلى وجود قاعدة مؤسسية ورقمية يمكن البناء عليها في الانتقال من تبني الذكاء الاصطناعي إلى التفكير في كيفية التحكم فيه وحوكمته.
كما أن أهمية هذا الموضوع ترتبط بطبيعة الذكاء الاصطناعي نفسه. فهذه التقنية لم تعد مجرد أداة لتحسين الكفاءة، بل أصبحت مرتبطة بالمرونة الاستراتيجية، وحماية البيانات الحساسة، وتقليل الاعتماد المفرط على عدد محدود من المزودين الخارجيين في تقنيات عالية التأثير. وكلما امتلكت الدولة قدرة أكبر على فهم الأنظمة التي تستخدمها والتحكم بها وحوكمتها، ازدادت قدرتها على حماية مصالحها وتعزيز استمرارية خدماتها واتخاذ قراراتها من موقع أقوى.
أكثر من مجرد تقنية
تكمن أهمية الذكاء الاصطناعي السيادي في أنه لا يمنح الدول أدوات تقنية فقط، بل يمنحها أيضا قدرة أكبر على التوجيه والضبط واتخاذ القرار. فعندما تعتمد الدولة حلولا ذكية تفهم لغتها، وتراعي سياقها، وتحترم خصوصية مجتمعها، فإنها لا تحسن الأداء فحسب، بل تبني أيضا قدرة أكبر على التحكم في المسار، وتقلل من الارتهان لحلول لا تنطلق من واقعها المحلي.
وفي الأردن، تبدو هذه الفكرة ذات أهمية خاصة في قطاعات مثل التعليم، والصحة، والخدمات الحكومية، وغيرها من المجالات التي تتعامل مع بيانات حساسة أو تتطلب مستوى مرتفعا من الثقة والحوكمة. ففي هذه القطاعات، لا يكفي أن تكون الأنظمة الذكية متقدمة تقنيا، بل يجب أن تكون مناسبة للسياق الوطني، وقابلة للمساءلة، ومنسجمة مع الأطر القانونية والأخلاقية.
السيادة ليست حالة مطلقة
من المهم ألا يفهم الذكاء الاصطناعي السيادي بوصفه حالة مطلقة: إما سيادة كاملة أو غياب كامل للسيادة. فالمقاربة الأكثر واقعية هي النظر إليه كطيف من الخيارات والدرجات. فقد تحتاج بعض التطبيقات إلى مستويات عالية من التحكم المحلي بسبب حساسية البيانات أو طبيعة الخدمة، بينما يمكن في تطبيقات أخرى الاستفادة من حلول وشراكات خارجية من دون أن يشكل ذلك تعارضا مع المصلحة الوطنية.
هذه النظرة المتدرجة أكثر نضجا وواقعية، لأنها تنقل النقاش من الشعارات إلى الأولويات: ما الذي يجب أن نمتلكه محليا؟ ما الذي يمكن تطويره بالشراكة؟ وأين نحتاج إلى أعلى درجات الحوكمة والسيطرة؟
وتختلف مسارات السيادة في الذكاء الاصطناعي باختلاف قدرات الدول وأولوياتها. فقد تكون الأولوية الأردنية في المرحلة الحالية لبناء القدرات والبيانات والحوكمة، وتطوير تطبيقات محلية عالية القيمة، مع الاستفادة من النماذج المفتوحة والعالمية وتكييفها مع الاحتياجات الوطنية. فالسيادة ليست نموذجا واحدا يصلح لجميع الدول، وإنما قدرة كل دولة على تحديد ما تحتاج إلى امتلاكه، وما يمكنها تطويره بالشراكة، وما يتطلب أعلى درجات التحكم الوطني.
الإنسان أولاً
أي حديث جاد عن السيادة الرقمية يجب أن يبدأ بالإنسان. فالتقنيات لا تصنع التحول وحدها، بل تصنعه العقول التي تطورها، وتفهمها، وتراقب أثرها، وتحسن استخدامها. ولذلك، فإن بناء الكفاءات الوطنية يجب أن يكون في قلب أي مشروع أردني جاد في هذا المجال.
الجامعات، ومراكز البحث، والمؤسسات العامة، والقطاع الخاص، جميعها مطالبة بأن تكون جزءا من مشروع وطني متكامل لا يكتفي باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل يسهم أيضا في تكييفها وتقييمها وتوجيهها وتطوير استخداماتها بما يخدم المصلحة الوطنية.
كما يتطلب بناء هذه القدرة ربط البحث العلمي بالقطاع الإنتاجي، ودعم الشركات الأردنية الناشئة والمتخصصة في الذكاء الاصطناعي، بحيث لا يبقى دورنا محصوراً في استهلاك الحلول المستوردة، بل يمتد تدريجياً إلى تطوير حلول ومنتجات وخدمات تنطلق من احتياجاتنا المحلية.
وهنا لا ينبغي أن يقتصر الاستثمار على تدريب المستخدمين، بل يجب أن يمتد إلى بناء كفاءات متخصصة في هندسة الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والحوسبة المتقدمة، والأمن السيبراني، وتقييم النماذج وحوكمتها. فالسيادة التقنية في النهاية لا تصنعها الأجهزة وحدها، بل المعرفة القادرة على تشغيلها وتطويرها واتخاذ القرار بشأنها.
شراكة من موقع قوة
الحديث عن الذكاء الاصطناعي السيادي لا يعني الدعوة إلى العزلة التقنية أو الانفصال عن المنظومة العالمية للابتكار. على العكس، المسار الأكثر نضجا هو الذي يجمع بين بناء القدرة الوطنية والانفتاح الذكي على الشراكات.
فالهدف ليس أن يبني الأردن كل شيء بنفسه، وهو أمر قد لا يكون واقعيا أو مجديا اقتصاديا، بل أن يعرف ما الذي ينبغي أن يمتلك القدرة على التحكم فيه، وما الذي يمكن الحصول عليه من خلال شراكات مدروسة، وكيف يتجنب الارتهان الكامل لمزود واحد أو منصة واحدة في المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية.
متطلبات النجاح
نجاح هذه المقاربة يتطلب التعامل بجدية مع عدد من المتطلبات العملية، من بينها البنية التحتية المناسبة، وتوافر الحوسبة المتقدمة، وتنمية المهارات التخصصية، وتحسين جودة البيانات، إلى جانب بناء حوكمة مؤسسية واضحة تضمن الاستخدام المسؤول والفعال.
ولا يعني ذلك بالضرورة إنشاء نماذج ضخمة محلية لكل استخدام، أو محاولة منافسة أكبر الشركات والدول في حجم الاستثمارات والبنية التحتية. فالأكثر واقعية هو تحديد المجالات التي تمثل قيمة استراتيجية للأردن، وبناء القدرات المناسبة لها، والاستفادة من النماذج المفتوحة والشراكات والمنصات العالمية عندما يكون ذلك أكثر كفاءة، مع الاحتفاظ بالمستوى المطلوب من التحكم والحوكمة.
ولهذا، فإن النجاح في هذا المسار لا يتحقق بمحاولة بناء كل شيء دفعة واحدة، بل بحسن الترتيب، واختيار الأولويات، والتمييز بين ما يجب توطينه محليا وما يمكن تطويره عبر شراكات مدروسة.
اقرأ أيضاً: التحديات الأخلاقية في عصر الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على المجتمع
من أين تبدأ المقاربة العملية؟
البداية المنطقية ليست في التوسع غير المنضبط، بل في اختيار تطبيقات محددة ذات أولوية عالية، خاصة في القطاعات التي تتعامل مع بيانات حساسة أو تقدم خدمات أساسية.
ويمكن أن تبدأ المقاربة الأردنية بثلاثة مسارات متوازية: تحديد البيانات والتطبيقات التي تتطلب أعلى درجات السيادة، وبناء قدرة وطنية على تشغيل وتقييم نماذج الذكاء الاصطناعي في الاستخدامات الحساسة، والاستثمار في الكفاءات البحثية والهندسية القادرة على استخدام هذه النماذج وتكييفها وتقييمها وحوكمتها.
ومن الممكن البدء بعدد محدود من المشاريع الوطنية ذات الأثر الواضح، ثم قياس نتائجها والتوسع تدريجيا. فالتقدم الحقيقي في هذا المجال لا يقاس بحجم الشعارات أو عدد المبادرات، بل بقدرتها على التحول إلى معرفة مؤسسية، وبنية مستدامة، وقيمة ملموسة للمواطن والاقتصاد.
من الاستخدام إلى القدرة على الاختيار
السؤال أمام الأردن إذن ليس: هل نستطيع بناء نموذج ذكاء اصطناعي ينافس أكبر النماذج العالمية؟ بل: ما القدرات التي لا ينبغي أن نعتمد فيها بالكامل على الآخرين؟
والإجابة عن هذا السؤال يمكن أن تشكل الخطوة التالية في مسارنا الوطني للذكاء الاصطناعي: تحديد التطبيقات والبيانات الأكثر حساسية، وبناء القدرة الوطنية على تشغيل النماذج وتقييمها وتكييفها وحوكمتها، ثم اختيار الشراكات والتقنيات على هذا الأساس.
بهذه المقاربة، لا يصبح الذكاء الاصطناعي السيادي مشروعا للعزلة أو سباقا لبناء أكبر نموذج، بل مشروعا لبناء القدرة على الاختيار.
